السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

163

مفاتيح الأصول

بما طريقه غلبة الظَّن ومنها ما أشار إليه في العدة وأجاب عنه فقال فإن قالوا ليس خبر الواحد قد قبل ما يقتضي العقل خلافه فما المنكر من أن يجوز قبوله فيما يقتضي عموم القرآن خلافه قيل لهم هذا إنما يمكن أن يستدل به على من أبى تخصيص العموم به عقلا فيقال له إذا جاز الانتقال عما يقتضيه العقل إلى خلافه بخبر الواحد جاز أن ينتقل عما يقتضيه العموم بمثل ذلك فأما من أجاز ذلك عقلا وإنما امتنع عنه لفقد الدلالة عليه فهذا السؤال ساقط عنه وإنما ينبغي أن يتشاغل بأن هاهنا دليلا يدل على جواز تخصيص العموم به وهو نفس المسألة التي اختلفنا فيها على أن مثل هذا يمكن أن يقال في جواز النّسخ به لأن الانتقال من موجب العقل من خطر إلى إباحة أو إباحة إلى خطر في معنى النسخ وإن لم يسمّ نسخا فينبغي أن يجوز على موجب ذلك النسخ بخبر الواحد وهذا لا يقوله أحد ولا جواب عن ذلك إلَّا ما ذكرناه من أن ذلك دليل على جوازه لا على وجوبه بل وجوبه يحتاج إلى دليل مفرد للقول الثاني وجوه منها ما حكاه في المعارج والنهاية والمنية والمحصول والمختصر وشرحه للعضدي وغاية السئول وشرح المنهاج للعبري عن جميع القائلين بعدم جواز تخصيص عام القرآن بخبر الواحد من أن العام قطعي وخبر الواحد ظني والظَّني لا يصلح لمعارضة القطعي بل يجب ترجيح القطعي وقد حكى عليه الاتفاق في المنية وقد تمسّك بهذه الحجة في العدة أيضا وأجيب عنها بوجوه الأول ما أشار إليه في النهاية وغاية البادي وحكاه في المعارج عن جماعة من أنّ ذلك منقوض بالبراءة الأصلية فإنها قطعية مع أنّه يجوز تخصيصها بخبر الواحد وقد يقال هذا إنما يتجه لو ادعى الخصم امتناع ذلك عقلا وأمّا إذا ادعى أن الأصل ذلك فلا لجواز أن يقال إن تخصيص البراءة الأصليّة بخبر الواحد خرج بالدليل ولا دليل على خروج محلّ البحث فيبقى مندرجا تحت الأصل على أنا نقول الفرق بين أصالة البراءة وعام الكتاب واضح فإن عام الكتاب يدلّ على ثبوت الحكم لجميع الجزئيات فإذا خصص بخبر الواحد وجب إلغاء هذه الدلالة وحمل اللفظ على غير حقيقة ولا كذلك أصل البراءة فإنه إنما يتمسّك به حيث لم يقم دليل على ثبوت التّكليف فإذا فرضنا كون خبر الواحد دليلا لم يكن أصل البراءة معارضا له ولم يمكن ذلك الخبر موجبا لدفع ظاهر ولا إلغاء دلالة معتبرة وبالجملة خبر الواحد على تقدير حجية لا يعارض أصل البراءة أبدا ولا يعارض عام الكتاب فالنقض المذكور ليس بوجيه ومع هذا فأصالة البراءة قطعي الحجّية لا قطعي الصدور وعام الكتاب قطعي الحجيّة وقطعي الصدور فهو أقوى من أصالة البراءة فهذا وجه آخر للفرق الدافع للنقض فتأمل الثاني ما أشار إليه في المعالم وشرح المختصر للعضدي من أن التخصيص وقع في الدّلالة فإنه دفع للدّلالة في بعض الموارد فلم يلزم ترك القطعي بالظنّي بل هو ترك الظني بالظني ويقرر بعبارة أخرى هي العام قطعي المتن ظني الدّلالة والخبر الخاص بالعكس فكان لكل قوة من وجه فوجب الجمع بينهما وقد وقع الحجّة المذكورة بالتقرير الثاني في النهاية وغاية البادي والزبدة والمحصول والمنهاج وشرحه للأسنوي والعبري ومنها ما أوجب بعد فرض التساوي والتعادل الجمع كالمعالم والزبدة وشرح المختصر ومنها ما لم يوجب ذلك وهو ما عدا ما ذكر لا يقال لا نسلَّم كون عام الكتاب ظني الدلالة بل هو قطعي الدّلالة بناء على القاعدة العقلية من امتناع المخاطبة بما له ظاهر ويراد منه خلاف ظاهره لأنا نقول هذا باطل بل هو ظني الدّلالة لاحتماله التخصيص احتمالا قريبا كما صرح به الأسنوي والعبري والآمدي لشيوع طرق التخصيص عليه حتى اشتهر ما من عام إلَّا وقد خص ولو جعلنا من المجازات الراجحة المساوي احتمالها لاحتمال الحقيقة منعنا كون عام الكتاب مفيدا للظن بالعموم بل كان من المجملات وعليه يبقى خبر الواحد سليما عن المعارض فيجب العمل به بلا إشكال ويلزم هذا أيضا على تقدير القول بعدم وضع لفظ للعموم لغة بل كلّ موضوع للخصوص وكذا على القول باشتراك اللفظ بين العموم والخصوص كما لا يخفى وكذا على القول بالتوقف في وضع لفظ للعموم وقد جعل جدي الصالح في شرح الزبدة والفاضل التوني في الوافية وجود هذه الأقوال منشأ لكون العام ظني الدّلالة وأمّا القاعدة العقلية فهي غير جارية هنا كما أشار إليه في المعالم فقال في جملة كلام له لا يقال الحكم المستفاد من ظاهر الكتاب معلوم لا مظنون وذلك بواسطة ضميمة مقدمة خارجية وهي قبح خطاب الحكيم بما له ظاهر وهو يريد خلافه من غير دلالة تصرفه عن ذلك الظاهر سلمنا ولكن ذاك ظن مخصوص فهو من قبيل الشهادة لا يعدل عنه إلى غيره إلَّا بدليل لأنا نقول أحكام الكتاب كلَّها من قبيل خطاب المشافهة وقد مرّ أنّه مخصوص بالموجودين في زمن الخطاب وأن ثبوت حكمه في حق من تأخّر إنّما هو بالإجماع وقضاء الظاهر باشتراك التكليف بين الكل وحينئذ فمن الجائز أن يكون اقترن ببعض تلك الظواهر ما يدلَّهم على إرادة خلافها وقد وقع ذلك في مواضع علمناها بالإجماع ونحوه فيحتمل الاعتماد في تعريفنا بسائرها على الأمارات المفيدة للظنّ القويّ وخبر الواحد من جملتها ومع قيام هذا الاحتمال ينتفي القطع بالحكم و